محمد أبو زهرة
1932
زهرة التفاسير
ظلمه ، وحدود الجهر هو مقدار دفع الظلم ، فإن أمكن دفعه بغير الجهر لا يجهر ، وإن لم يمكن دفعه إلا بالجهر - جهر حتى يصل إلى حقه . وقال بعض العلماء إن الاستثناء متصل ، وتأويل الكلام أن الله تعالى لا يحب الجهر بالسوء إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله تعالى لأن دفع الظلم واجب ولازم ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن بقلوب بعضكم بعضا ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم » . فدفع الظلم واجب ، وإذا كان الجهر سبيله فهو واجب ؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ، ولكن ما مدى الاستثناء الذي يسوغ الله سبحانه وتعالى به للمظلوم أن يجهر بالسوء ، وأن يعلنه ؟ . نقول بالإجمال إن مداه هو منع الظالم من الاستمرار في ظلمه وحمله على الانتهاء عن غيه ، وإن ذلك يشمل الأحوال الآتية : الأولى - أن يجهر الخصم بما ارتكب خصمه من مآثم في حقه أمام القاضي ، فإن الجهر في هذه الحال لا يبغضه الله تعالى ؛ لأنه إقامة حق ، ودفع باطل ، ولقد قال تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) [ الشورى ] ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته » « 1 » والمراد أن يغلظ له في القول ، ولا يقول القاضي قولا لينا إذا ثبت مطله في أداء الدين » . الثانية - إذا كان الحاكم ظالما ، فإنه يجب توجيه اللوم الشديد إليه بالنقد من غير إسفاف ، ولكن لا يقول الناقد إلا حقا ، ويستر نقده ، حتى يرعوى هذا من غيه وذلك إذا لم تجد فيه الموعظة الحسنة ، فإن كانت مجدية لا يصح الاتجاه إلى الجهر بمظالمه . ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أفضل المجاهدين رجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر
--> ( 1 ) ذكره البخاري تعليقا : الاستقراض وأداء الديون - لصاحب الحق مقال ، ورواه الترمذي : البيوع - مطل الغنى ظلم ( 4689 ) ، وأبو داود : القضية - في الحبس في الدين وغيره ( 3628 ) ، وابن ماجة : الأحكام - الحبس في الدين والملازمة ( 2427 ) ، وأحمد : مسند الشاميين ( 17486 ) عن السويد ابن الشريد الثقفي .